الأخلاق قواعد البنى الخفية للسلطة الدائمة

رواها 360 اسماعيل الصنوي عدن
في عالمٍ تُدار فيه السياسة غالبًا بمنطق الصفقات السريعة وتوازنات القوة المؤقتة، يعود السؤال الجوهري ليفرض نفسه بإلحاح:
هل تُبنى الدول بالمصالح أم بالمبادئ؟ وهل يمكن لسلطةٍ أن تستمر طويلًا إذا انفصلت عن القيم التي تمنحها معناها الأخلاقي؟
يُطرح هذا السؤال عادة وكأنه خيار ثنائي: إما الواقعية السياسية أو المثالية الأخلاقية. غير أن هذا التقسيم ذاته يحمل مغالطة عميقة. فالتاريخ لا يكافئ الأنظمة التي تتقن فن المناورة فقط، بل يكافئ – على المدى الطويل – تلك التي نجحت في تحويل القيم الأخلاقية إلى رأس مال سياسي حقيقي، لا إلى شعارات استهلاكية تُرفع في الخطب ثم تُدفن في الممارسة.
السياسة بلا أخلاق هي فن البقاء القصير. تستطيع القوة العارية أن تفرض النظام، لكنها لا تصنع ولاءً. وتستطيع المصلحة المجردة أن تنسج تحالفات، لكنها لا تبني ثقة. هذا النوع من السلطة يشبه جسدًا بلا روح؛ قد يبدو متماسكًا من الخارج، لكنه يفتقر إلى المناعة الداخلية. وعند أول أزمة عميقة، ينكشف هشاشته، لأنه لا يمتلك سوى أدوات الإكراه، لا طاقة الإقناع.
على النقيض من ذلك، فإن السياسة المستندة إلى منظومة أخلاقية واضحة – مثل العدل، والنزاهة، وحماية الكرامة الإنسانية، والصدق في الخطاب والمسؤولية في القرار – تمتلك ميزة لا تُقدَّر بثمن: الشرعية العميقة. هذه الشرعية لا تُمنح بمرسوم، ولا تُختصر في صندوق اقتراع، بل تُبنى يوميًا عبر السلوك العام للدولة، وتُسكن في وجدان الناس قبل أن تُسجَّل في الدساتير. إنها القوة الناعمة التي تجعل الأوامر تُطاع عن قناعة، والتضحيات تُقدَّم عن إيمان، والنقد يُمارَس بنية الإصلاح لا التقويض.
ولهذا، فإن الفصل بين الأخلاق والسياسة ليس علامة نضج أو “واقعية” كما يُسوَّق له، بل هو في جوهره انتحار سياسي مؤجل. هو قبول بالهشاشة تحت غطاء البراغماتية، وتطبيع مع الفساد تحت شعار الضرورة. بينما النظم التي تتجرأ على جعل العدل سياسة عامة، والنزاهة أسلوب إدارة، والكرامة الإنسانية جزءًا من استراتيجيتها الوطنية، تكتشف – غالبًا – أنها لا تبني مجتمعًا أفضل فحسب، بل تبني سلطة أكثر رسوخًا وقدرة على الصمود أمام الزمن والأزمات.
الدرس الأعمق هنا هو أن الاستثمار في الأخلاق ليس عبئًا على الدولة، بل هو أكثر استثماراتها عقلانية. فالأخلاق ليست كلفة إضافية في ميزانية الحكم، بل ضمانة استراتيجية لاستمراريته. في اللحظات الحرجة، لا ينقذ الأنظمة حجم ترسانتها العسكرية، ولا كثافة خطابها الإعلامي، بل حجم رصيدها من المصداقية والثقة في قلوب مواطنيها.
تلك هي الحقيقة التي يتجاهلها كثير من صُنّاع القرار:
السلطة التي لا تسكنها الأخلاق تبقى مجرد “قلعة على الرمال”،
أما السلطة التي تتأسس على القيم، فتصبح صخرةً تاريخية تتكسر عليها عواصف التحديات، لا العكس.






